(2)
المترجم: محيي الدين كانون
هرعت البنت الصغيرة تسعي باتجاه الكنيسة المشيدة من الخشب
والحديد ممسكة بيدها مظروفا , وبينما هي تطرق باب منزل بجوار
الكنيسة بحياء , إذ شيع القس ستيفن كومالو ناظريه من فوق
الطاولة حيث كان يكتب قائلا : - ادخل
فما كان من البنت إلا أن فتحت الباب برفق وحذر لئلا تقع في
المحظور ، وكأنها تفتح باب بيت من البيوتات العريقة ثم دلفت
وجلة .
- احمل إليكم رسالة ، حضرة القس .
- ماذا رسالة ، من أين جئت بها بنيتي ؟!
- من المخزن ، فقد طلب من الرجل الأبيض أن احملها إليك .
- هذا حسن منك ، مع السلامة أيتها الصغيرة .
لكنها لم تغادر في الحال وطفقت تحك قدمها العارية بالأخري ،
وتمسح برأس إصبعها على طول حرف طاولة القس .
- لعلك جائعة ، أيتها الصغيرة !
- لست جائعة كثيرة ، حضرة القس .
- لعلك جائعة قليلا.
- أجل ، إني جائعة قليلا .. حضرة القس .
- إذن إذهبي إلي الأم لعل لديها بعض الطعام .
- شكرا لك إيها القس .
مشت برفق وكأن قدميها سوف تحدث ضررا بأرضية البيت العتيق ،
البيت الذي يحتوى على طاولات وكراسي ، وساعة حائط ، ونبتة في
شص ،وكتب كثيرة أكثر من كتب المدرسة .
نظر كومالو إلي رسالته ، وكانت متسخة من جراء الأيادي التي
تناولتها بغير شك ، الرسالة وردت من جوهانسبرج حيث يقيم أهله ،
فأخوه جون النجار الذي ذهب إلي هناك ، وأنشأ لنفسه مشروعا خاصا
به في صوفياتاون بجوهانسبرج ، وأخته جرتروتد التي تصغره بخمسة
وعشرين عاما ، التي رزقت لوالديه في سن متأخرة ، فقد رحلت هي
الأخري إلى هناك بصحبة وليدها بحثا عن زوجها الذي لم يرجع أبدا
من رحلته للمناجم . كذلك ابنه الوحيد أبسالوم الذي ذهب في إثر
عمته جرترود بحثا عنها لكنه لم يعد أبدا. هناك الكثير من
الأقارب هناك وإن لم يكن بمثل صلة الرحم هذه . من الصعب بمكان
التكهن من أين جاءت الرسالة ومن اين مصدرها ، فإن وقتا متسعا
قد مر ولم يكاتبه هؤلاء ، وبذلك يصعب تذكر هذه الكتابات .
قلب الرسالة ، وليس هناك ما يدل على مرسلها ، ولم يكن مستعدا
لفتحها ، وان فعل ذلك فإنه يصعب قفلهلمن جديد .
أخذ ينادي زوجه :
- هل ذهبت الطفلة ؟
- إنها تأكل يا ستيفن .
- دعيها تأكل فقد أحضرت الرسالة ، هل تعرفي أي شيء عن الرسالة
؟
- وكيف لي أن أعرف يا ستيفن ؟ ذلك ما أجهله البته ، فلنلق نظرة
عليها .
أخذت الرسالة بيدها تتحسسها ، وليس ينبىء ملمسها عن مصدرها ،
وطفقت تقراء العنوان ببطء وعناية :
القس ستيفن كومالو كنيسة سانت مارك ، ندوتشينى، ناتال.
واستجمعت قواها وهي تقول :
ليس ولدنا من أرسلها. قال متنهدا : لا ، ليست من ولدنا.
قالت : لعلها تتعلق به .
قال : نعم ، ممكن أن يكون ذلك.
قالت : ليست من جرترود ، وربما من أخي جون .
قالت : ليست من جون .
ساد الصمت بينهما ، ثم قالت : كم كنا نتمني تلقي رسالة واحدة
مثلها ، ولما وصلت إلينا بتنا نخشى فتحها .
قال : ومن يخشى ؟ افتحيها ؟
فتحت الرسالة بحرص وعناية فهى لم تتعود فتح الكثير من الرسائل
.
بسطت الرسالة وجعلتها مفتوحة وأخذت تقرأها ببطء وتمهل حدا لم
يتمكن من سماع ما قرأته فقال لها :
- اقرئيها بصوت عال .
وقرأت بصوت عال ، مثلما يقرأ الزولو الانجليزية .
دار الإرسالية ،
صوفياتاون،
جوهانسبرج
25 سبتمبر 1946
أخي العزيز في المسيحية ، لقد اعتدت على مقابلة فتاة تدعى
جرترود في جوهانسبرج ، وقد فهمت إنها شقيقة القس ستيفن كومالو
بكنيسة سانت مارك ندوتشني . إنها الأن مريضة جدا ، وأسألك
الحضور حالا إلي جوهانسبرج ، واقصد القس تيوفيلوس مسيمنغو ،
دار الإرسالية في صوفيا تاون ، وهناك أفيدك بالنصائح اللازمة ،
وسوف أجد لك مكانا تقيم فيه غير مكلف كثيرا .
أخوك العزيز في المسيحية
المخلص
نيوفيلوس مسيمنغو |